أسامة داود يكتب: كيف أصبح القومي للأورام خط الدفاع الأول للفقراء في مواجهة السرطان؟
482 ألفًا و758 مريضًا في عام واحد.
1522 مريضًا يوميًا.
96% منهم يتلقون العلاج مجانًا.
هذه ليست أرقامًا مجردة في تقرير إداري، بل هي ملخص حكاية إنسانية يومية تدور فصولها داخل أروقة المعهد القومي للأورام، أحد أهم القلاع الطبية التابعة لـ جامعة القاهرة.. وأول مستشفى لعلاج الأورام في الشرق الأوسط وإفريقيا.هو معهد السرطان كما كان يسمى فى الماضى.. وأعود اليوم لأتحدث عن تلك قلعة علاج الفقراء من السرطان بالمجان اتحدث عن مستشفى بأقل الإمكانيات تستقبل ما يقرب من نصف مليون مريض سرطان سنوياً، بينهم أكثر من 29 ألف مريض جديد، وهو رقم يعادل تقريبًا ربع حالات السرطان الجديدة في مصر سنويًا.
بمعنى آخر:
واحد من كل أربعة مصريين يُصابون بالسرطان يجدون أنفسهم في نهاية المطاف أمام بوابات هذا المعهد.
وهنا تبدأ رحلة طويلة من الأمل والخوف معًا.
مستشفى الفقراء
حين يُقال إن 96% من المرضى يتلقون العلاج مجانًا، فهذه ليست مجرد نسبة مالية في ميزانية، بل هي مؤشر اجتماعي عميق... فالسرطان مرض مكلف في كل دول العالم، وقد تصل تكلفة علاج المريض الواحد إلى مئات الآلاف من الجنيهات.
لكن داخل المعهد القومي للأورام تتحول المعادلة بالكامل.
المريض الذي قد لا يمتلك ثمن الكشف الطبي في عيادة خاصة يجد نفسه داخل المعهد القومى للاورام دون وساطة او محسوبية او شرط تقديم ايصالات بتبرعات سابقة كما يحدث في بعض المستشفيات التي تتبارى في جمع التبرعات .
يتم توقيع الكشف الطبي عليه مع الفحوص المعملية وعمل الأشعة التشخيصية
واجراء الجراحات الكبرى والعلاج الكيماوي والعلاج الإشعاعي والرعاية التلطيفية
وكل ذلك دون أن يدفع شيئًا تقريبًا. نعم هناك مواعيد ربما تطول لأن العدد متزايد والإمكانات محدودة رغم تفانى الجميع من أطباء وتمريض وفنيين لتقديم الخدمة.
وهذا ما يجعل المعهد في نظر آلاف الأسر المصرية الملاذ الأخير في مواجهة المرض الأكثر قسوة.
أرقام تكشف حجم المعركة
إذا كانت أعداد المرضى مذهلة، فإن حجم الخدمات الطبية التي يقدمها المعهد يكشف عن معركة يومية حقيقية ضد السرطان... فخلال عام واحد فقط، أجرى المعهد حسب الأرقام الرسمية 7680 عملية جراحية كبرى وصغرى ونحو 100 ألف جلسة علاج كيميائي بالإضافة الى أكثر من 62 ألف جلسة علاج إشعاعي
بجانب حوالي 1.6 مليون تحليل معملي وما يزيد على 54 ألف فحص بالأشعة
أما عيادات علاج الألم، التي تُعد أحد أهم أقسام الرعاية التلطيفية لمرضى الأورام، فقد استقبلت 34513 مريضًا.
هذه الأرقام تعني ببساطة أن المعهد لا يقدم خدمات طبية عادية، بل يدير واحدة من أكبر منظومات علاج السرطان في الشرق الأوسط.
لكن المفارقة أن هذه المنظومة الضخمة تعمل في ظل إمكانات محدودة للغاية مقارنة بحجم الطلب المتزايد على خدماتها.
496 سريرًا فقط نعم عدد هذه الاسرة تشمل المبنيين الجنوبى الذى أنشأة الرئيس جمال عبد الناصر ويضم 6 طوابق وكان هو اللبنة التي بدأ من خلالها المعهد تدريب وتاهيل وتخريج الاف الأطباء والعناصر الفنية من تمريض واخصائى اشعى وعلاج اشعاعى وكيماوى لينتشروا في الدول العربية وافريقيا والعديد من الدول الأجنبية بجانب انه هو الاب الشرعى لانشاء اقسام علاج السرطان بالمستشفيات الجامعية وتأسيس مستشفيات علاج الأورام بوزارة الصحة وقت الوزير الرائع الدكتور إسماعيل سلام الذى أسس 9 مراكز لعلاج السرطان منتشرة على طول البلاد وعرضها من اسوان وحتى الإسكندرية بجانب محافظات القناة وغيرها.
ومعهد القومى للاورام الذى يمثل قصىة تحكى كل لبنة فيه تاريخ انسانى فهو اليد الحانية التي تربت على ظهور كسرها المرض ونفوس تلفظ تأوهات من تشوهات أحدثها غول لا يرحم لمرض هو وباء العصر والذى ظل حتى الان خارج السيطرة فهوالوباء الذى لم يستطع العالم هزيمته... بجانب المعهد الذى انشئئ في التسعينيات بطوابقة الـ 13 وتعرض لجريمة فساد من المقاولين الذين انشأوه بمواد فاسدة أدت الى إصابة الهيكل الخرسانى بما يشبه السرطان وتم اعدادة زرع أعمدة خرسانية وتحديثه بعد ثورة 2011 ولم يتم الانتهاء منه الا منذ بضعة سنوات.
رغم استقبال نصف مليون مريض سنويًا، فإن الطاقة الاستيعابية لمستشفيات المعهد لا تتجاوز 496 سريرًا فقط من بينها 49 سرير رعاية مركزة و18 سرير طوارئ بجانب 160 سرير علاج كيميائي
هذه الأرقام تطرح سؤالًا منطقيًا:
كيف يستطيع معهد واحد بهذا الحجم المحدود أن يتحمل هذا الكم الهائل من المرضى؟
الإجابة تكمن في الجهد الاستثنائي للأطباء والتمريض والفنيين الذين يعملون تحت ضغط هائل، وفي نظام تشغيل يكاد لا يتوقف طوال اليوم.
لكن مهما بلغت كفاءة الإدارة والكوادر الطبية، فإن الأرقام تبقى أرقامًا، والقدرة الاستيعابية لأي مؤسسة صحية لها حدود.
ووفق الأرقام الرسمية، فإن المعهد يستقبل حوالي 25% من مرضى السرطان الجدد في مصر.. وهنا يظهر سؤال بالغ الأهمية:
إذا كان معهد واحد يعالج ربع المرضى، فأين يتجه الثلاثة أرباع الباقون؟
الإجابة النظرية تقول إنهم يتوزعون على كل من مستشفيات وزارة الصحة والمستشفيات الجامعية والمراكز المتخصصة والقطاع الخاص.. ولكن للأمان مستشفيات وزارة الصحة ومراكز الأورام بها تقوم بدور هام في علاج الأورام منها أسوان وسوهاج والمنيا ودمنهور بجانب معهد اورام معهد ناصر الذى يؤدى دورا رائدا في علاج الأورام للغير قادرين على نفقة الدولة او التأمين الصحى.
لكن الواقع يكشف أن عددًا كبيرًا من هؤلاء المرضى يعودون مرة أخرى إلى المعهد القومي للأورام، إما بسبب نقص الإمكانات في بعض المستشفيات او لزيادة لصعوبة تحمل التكاليف التي تفرضها المستشفيات الخاصة على المرضى حيث يصل علاج المريض الواحد الى مئات الالاف.
وهكذا يتحول المعهد القومى للأورام تدريجيًا إلى المركز الوطني غير المعلن لعلاج السرطان في مصر.
الضغط الصامت
من يزور العيادات الخارجية للمعهد في أي يوم عادي سيكتشف سريعًا أن الأرقام التي نقرأها في التقارير ليست مبالغة.
عندما تمر امام المعهد القومى للاورام بمنطقة فم الخليج التي أقيم على حديقتها تجد طوابير المرضى تبدأ منذ الساعات الأولى من الصباح... بعضهم جاء من محافظات بعيدة قاطعاً مئات الكيلومترات بحثًا عن فرصة للعلاج وبعضهم ينتظر دوره في رحلة علاج قد تستمر شهورًا أو سنوات.
ورغم كل هذا الزحام، يبقى الأمل حاضرًا في عيون المرضى لأنهم يعرفون أن هذا المكان، رغم كل ما يواجهه من ضغوط، يظل أحد أهم خطوط الدفاع في مواجهة غول السرطان أنها معركة للمريض فيها خصوم كثيرون على راسهم غول السرطان الذى ينهش ابدانهم ويكسر نفوسهم وتنحنى منه ظهورهم بجانب عدم قدرتهم على تحمل العلاج في المستشفيات الخاصة بينما النماذج الأخرى من مستشفيات ترفع شعار العلاج المجانى بينما كل همها جمع التبرعات التي يتم لا يصل منها الى المرضى الا أقل القليل في حالة ان تقبل مريض بينما دائما شعارها يوجد مكان فقط للتبرعات ولكن لا يوجد مكان لاستقبال مريض!.
معركة أكبر من معهد
الواقع أن المعهد القومي للأورام يؤدي دورًا يفوق بكثير طاقته الطبيعية... وإن كان بجانبه عدد من المراكز الطبية التابعة لوزارة الصحة تقوم بدور هام لا يمكن انكاره.
فالمعركة ضد السرطان في بلد بحجم مصر لا يمكن أن تعتمد على مؤسسة واحدة مهما بلغت كفاءتها.
نحن نتحدث عن مرض تشير التقديرات العالمية إلى أن معدلاته في ازدياد مستمر، نتيجة عوامل متعددة مثل منها التلوث البيئي وأنماط الغذاء الحديثة التي تتسم بالسوء في ظل ضعف الرقابة الصحية بجانب التدخين اما الضغوط الحياتية فلها تأثير في زيادة انتشار السرطان ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح ليس فقط:
كيف يعمل المعهد القومي للأورام؟
كيف يمكن للدولة أن تبني شبكة وطنية متكاملة لعلاج السرطان بحيث لا يتحمل معهد واحد وحده عبء ربع المرضى في مصر؟
الحلقة القادمة: المعادلة الصعبة… مواجهة السرطان بإمكانات محدودة وأعباء بلا حدود
